الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

367

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

دون التضمني والتنكير الحاصل في معناها التام من قبيل تنكير المصادر الغير المنونة وليس كتنكير الفرد المنكر ليكون المراد بها فردا ما حسبما مرت الإشارة إليه وقد عرفت أن النكرة على وجهها يفيد العموم عند الوقوع في سياق النفي أو النهي وعلى الثاني فإن ذلك لمناسبتها لها من حيث إنه يصح تأويلها بها كما تقول في قام رجل ذهب أبوه ذاهب أبوه حكي عن نجم الأئمة وفيه أنه إن أريد بذلك عدم اندراجها في النكرة المصطلحة فممنوع ولا يجدي في المقام وإن أريد عدم إفادتها مفاد النكرة فغير متجه إذ لولا ذلك لما قامت النكرة مقامها ثالثها أن مفاد الفعل حكم والأحكام من النكرات لأن الحكم بشيء على آخر يجب أن يكون مجهولا عند السامع وإلا لغي الكلام وخرج عن الإفادة كبيان الواضحات نحو السماء فوقنا وهذا الوجه ضعيف جدا فإن النكرة في اصطلاحهم ليست عبارة عن كون الشيء مجهولا عند السامع بل كون الذات غير مشاربها إلى متعين في الذهن أو الخارج وأيضا سلمنا كون الشيء مجهولا نكرة لكن لا يلزم من ذلك أن يكون نفس الخبر والصيغة نكرة إذ المجهول انتساب ما تضمنه الخبر والصيغة إلى المحكوم عليه فإن المجهول من مجيء زيد انتساب المجيء إلى زيد لا مفهوم المجيء المحمول عليه كيف ولو لزم تنكير المحكوم لم يجز أن يقول زيد القائم وأنا زيد وكان التعريف في المقام قاضيا بمعرفة النسبة فكان كقولك السماء فوقنا وليس كذلك ضرورة وذلك محصل ما حكي عن نجم الأئمة وهو متجه وكيف كان فالمختار عندنا إفادته العموم على مقتضى الإطلاق من غير أن يكون تقييده ببعض الصور قاضيا بالتجوز فيه فالعموم من لوازم الإطلاق ومقتضياته من غير أن يكون اللفظ موضوعا بإزائه حسبما مر تفصيل القول فيه في مبحث النهي ويجري الكلام المقدم في النكرة الواقعة في سياق فعل الشرط نحو إن أكلت فأنت حرا وأنت طالق وظاهر اللفظ دوران الجزاء مدار مطلق حصول ماهية الشرط فيرجع أيضا إلى العموم البدلي وظاهر التعليق على الطبيعة دوران الحكم على مجرد ذلك من دون اعتبار شيء من الخصوصيات فيه إلا أنه كغيره فينصرف إلى الشائع ثامنها الجمع المنكر الواقع في سياق النفي يفيد العموم على نحو المفرد الواقع في سياقه كما هو ظاهر من ملاحظة الاستعمالات وقد ذكر بعضهم أن الحكم بالنصوصية والظهورية لا يختلف في المقامين فلا رجال في الدار من رجال نص في العموم وليس في الدار رجال وما في البيت رجال ظاهر فيه وعندي في ذلك كلام لعدم ظهور فرق بين تلك العبارة في فهم العرف إلا أن ما زيد فيه من أبلغ في العموم الخالي عنه نعم هنا كلام في إفادته النفي من الآحاد كالمفرد إذ أنه يفيد العموم عن أفراد الجموع وقد نص بعضهم بأن لا رجال نص في عموم أفراد الجموع وإن قلنا بكونه ظاهرا في عموم الأفراد أيضا كالجمع المحلى يسلخ معنى الجمعية قلت دعوى ظهوره في نظر الوجدان لا يخلو من خفاء كيف ولو كان الأغلبية لكان قوله ليس على من زيد دراهم إقرارا بعدم اشتغال عدم ذمته بدرهم ودرهمين وليس كذلك قطعا وكذا لو نذر أن لا يستقرض من زيد دراهم لم يحنث باستقراض درهم أو درهمين وبالجملة أن الجمع اسم للوحدات الثلاث وما فوقها والنفي الوارد عليه يمكن أن يرد على تلك الوحدات وعلى المجموع فعلى الأول يعم الآحاد وعلى الثاني لا يفيد إلا نفي مراتب الجميع ونفي الأول يستلزم نفي الثاني بخلاف العكس فالقدر المتحقق من الأول هو الثاني ويتوقف إرادة الآخر به على قيام القرينة عليه ودعوى ظهوره فيه مع الإطلاق غير متجه ولذا يصح أن يقال لا رجال في الدار بل رجل ورجلان ومع أنه لا يصح أن يقال لا رجل في الدار بل رجلان أو رجال وكذا الحال في أسماء العدد الواقعة في سياق النفي إذ يمكن ورود النفي على الوحدات المندرجة فيها وعلى المجموع فلا ينافي ثبوته لبعضه ويجري ما ذكرناه في الواقع في سياق النفي نحو لا تشتر عبدا ولا تأكل أرغفة والحق أنها لا تفيد المنع عن شراء الواحد أو الاثنين إلا أن يقوم قرينة في المقام على تسلط النفي على الوحدات ولو وقع الجمع المعرف في سياق النفي فالظاهر منه عموم السلب كما في قولك ما جاءني العلماء وما أكرمت الفساق وما أهنت العلماء فإنه ظاهر في عدم مجيء أحد من العلماء إليه وعدم إكرامه أحدا من الفساق وعدم إهانته أحدا من العلماء فإن قلت إن الجمع المعرف يفيد العموم فالنفي الوارد عليه يكون سلبا للعموم كما في قولك ما جاءني كل عالم فكيف يكون ظاهرا في عموم السلب قلت إنما يتم ما ذكر لو كان مدخول النفي ما يدل على مفهوم الشمول كما في المثال فيرجع النفي إليه فيكون سلبا للعموم وليس من ذلك العموم في الجمع حسبما مر بيانه بل الجمع المعرف إشارة إلى جميع الوحدات المندرجة فيه ويكون الحكم متعلقا بجميع تلك الوحدات فهو شامل لجميع الوحدات المندرجة من غير أن يكون مفهوم الشمول مأخوذا فيه فيتعلق الحكم بكل من تلك الآحاد إيجابا كان أو سلبا فيرجع في الإيجاب إلى موجبة كليّة وفي السلب إلى سالبة كلية فلو حلف أن لا يتزوج الثيبات حنث بتزويج ثيبة واحدة واحدة هذا كله على المختار من كونه حقيقة في استغراق الآحاد أما لو قلنا بدلالته على استغراق الجموع لم يحنث بتزويج واحد أو اثنين وكذا الحال إذا وقع الجمع المعرف في سياق النهي من غير فرق هذا إذا أريد بالجمع المعرف ما هو الظاهر منه أعني الاستغراق وأما إذا أريد به الجنس ففيه وجهان من إرادة الجنس المطلق فيفيد العموم بالنفي والنهي بالنسبة إلى الآحاد ومن إرادة جنس الجمع فلا يفيد إلا عمومه بالنسبة إلى الجموع فلا يفيد نفي الحكم عن الواحد والاثنين وكذا النهي عنه وقد مر الكلام فيه حينئذ ولا فرق في ذلك بين وروده في سياق الإيجاب أو السلب ولو وقع في سياق الشرط تعلق الجزاء بحصول الجميع فلا يثبت إلا مع حصول الكل كما إذا قال إن جاءك العلماء فأكرم زيدا هذا إذا لم يكن حكم الجزاء متعلقا بهم وأما إذا كان متعلقا بهم فهو ظاهر في إفادة إناطة الحكم في كل منها بحصول الشرط المذكور بالنسبة كما إذا قال إن جاءك العلماء فأكرمهم ويحتمل أن يكون المقصود إناطة إكرام الكل على مجيء الكل إلا أنه خلاف ظاهر الإطلاق حسبما هو المفهوم منه في العرف ولو وقع الجمع المنكر في سياق الأمر أو الإيجاب ففي إفادة العموم خلاف أشار إليه المصنف بقوله أكثر العلماء على أن الجمع المنكر لا يفيد العموم هذا هو المعروف من الأصوليين بل لا يبعد حصول الاتفاق عليه بعد الخلاف المذكور إن لم ينقل فيه خلاف بعد من نسب الخلاف إليه من القدماء والظاهر أنه لا خلاف فيه أيضا من جهة وصفه لخصوص العموم بل لا يبعد قضاء ضرورة اللغة بخلافه وإنما الخلاف المذكور في انصرافه إلى العموم من جهة اقتضاء الحكمة به كما عزي إلى الشيخ أو غيره مما عزي إلى أبي الجبائي وهو أيضا خلاف ضعيف ولا يبعد تنزيل كلام الشيخ